ابن ميثم البحراني
423
شرح نهج البلاغة
الثالث : إعلامهم بما ينبغي لهم من استعمال الدنيا والتنبيه على كيفيّة استعمالها الواجب بوصف حال المتّقين فيها ليقتدوا بحالهم وهي ما أخبر عنه بقوله : ذهبوا بعاجل الدنيا . إلى قوله : ولا ينقص لهم نصيب من لذّة ، وخلاصة حالهم المذكورة أنّهم أكثر فايدة من أهل الدنيا . إذ حصلوا من اللذّة في دنياهم على أفضل ما حصل لأهلها من لذّاتهم بها مع زيادة الفوز الأكبر في الآخرة بما وعد فيها المتّقون ، واعلم أنّ الَّذي يشير إليه من عاجل الدنيا في حق المتّقين الَّذين شاركوا أهلها فيها وحظوا به منها ممّا حظى به المترفون وأخذه الجبابرة المتكبّرون هو ما حصلوا عليه من لذّات الدنيا المباحة لهم بقدر ضرورتهم وحاجتهم كما روى عنه في صفتهم بلفظ آخر : شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم أباحهم في الدنيا ما كفاهم وبه أغناهم قال اللَّه عزّ اسمه « قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ » ( 1 ) الآية سكنوا من الدنيا بأفضل ما سكنت وأكلوها بأفضل ما اكلت شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيّبات ما يأكلون وشربوا من طيّبات ما يشربون ولبسوا من أفضل ما يلبسون وتزوّجوا من أفضل ما يتزوّجون وركبوا من أفضل ما يركبون أصابوا لذّة الدنيا مع أهل الدنيا وهم فيها جيران اللَّه يتمنّون عليه فيعطيهم ما يتمنّون لا يردّ لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيبا من لذّة . فأمّا وجه كونهم أكلوها على أفضل ما اكلت وسكنوها بأفضل ما سكنت فلأنّهم استعملوها على الوجه الَّذي ينبغي لهم وقد أمروا باستعمالها عليه . وظاهر أنّ ذلك الوجه أفضل الوجوه ، وأمّا أنّهم شاركوا أهل الدنيا في طيّباتها فظاهر ، بل نقول : إنّ لذّتهم بما استعملوا منها أتمّ وأكمل ، وذلك أنّ كلّ ما استعملوه منها من مأكول ومشروب ومنكوح ومركوب إنّما كان عند الحاجة والضرورة إليه ، وقد علمت أنّ الحاجة إلى الشيء كلَّما كانت أشدّ وأقوى كانت اللذّة به عند حصوله أتمّ وأعلى وذلك من الأمور الوجدانيّة . فثبت إذن أنّهم حظوا منها بما حظى به المترفون وأخذوا منها أخذة
--> ( 1 ) 7 - 3 .